برنامج حكومة المنصوري (2026–2031): بين طموحات التنمية الاجتماعية ورهانات التمويل والأثر الملموس

admin20 أكتوبر 2026آخر تحديث :
برنامج حكومة المنصوري (2026–2031): بين طموحات التنمية الاجتماعية ورهانات التمويل والأثر الملموس

وضعت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، تحسين القدرة الشرائية وتجويد الخدمات العمومية وإدماج الشباب في صدارة أولويات البرنامج الحكومي للفترة 2026–2031، الذي قدمته رسمياً أمام مجلسي البرلمان يوم الاثنين 19 أكتوبر. ويحمل البرنامج في طياته تعهدات واسعة النطاق على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية، ليدشن مرحلة جديدة من انتظارات الشارع المغربي، في وقت تظل فيه إمكانية ترجمة هذه التطلعات إلى نتائج ملموسة محكومة بتوفير التمويل اللازم، وضبط آجال التنفيذ، وتفعيل آليات المحاسبة.

وينطلق التصور العام لبرنامج المنصوري من الجمع بين مواصلة الأوراش التنموية المفتوحة وتصحيح اختلالات مردوديتها، مع الإقرار الصريح بأن ثمار التنمية السابقة لم تصل بالقدر نفسه إلى جميع الفئات والجهات. وهو تشخيص يضع الحكومة أمام مسؤولية تتجاوز مجرد تقييم السياسات العمومية بحجم الاعتمادات المالية والمشاريع المعلنة، لتتجه نحو قياس أثرها المباشر على خفض معدلات البطالة، وتحسين مستوى المعيشة، وتجويد خدمات التعليم والصحة والسكن. وينتظم البرنامج في سبع أولويات استراتيجية تشمل توطيد دولة الحق والقانون، ومحاربة الفساد والريع، وصيانة الهوية وتماسك المجتمع، وترسيخ الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتعزيز السيادة الاستراتيجية والإشعاع الدولي، وبناء اقتصاد قوي قادر على تمويل هذه الالتزامات.

على المستوى المؤسساتي، تتعهد الحكومة بتقريب العدالة وتعزيز الحقوق والحريات والمساواة وتكافؤ الفرص، إلى جانب توسيع المشاركة المواطنة وتمكين النساء؛ وهي خطوات تكتسب أهميتها من استعادة الثقة في العمل العمومي عبر تغيير العلاقة بين المواطن والإدارة وتسريع معالجة الشكايات. وفي ملف تخليق الحياة العامة، يبرز التعهد بتجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح بالممتلكات ومراقبة الصفقات العمومية، وهو ما يشكل أحد أبرز الاختبارات للمصداقية السياسية للحكومة. كما يمتد هذا التوجه إلى دعم ولوج المقاولات الصغيرة والمتوسطة للطلب العمومي عبر تبسيط المساطر وتسريع الأداء لضمان منافسة شريفة تحول الصفقات إلى رافعة للإنتاج والتنمية.

وفيما يخص ورش الجهوية المتقدمة، تتعهد الحكومة برفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من سنة 2027، مع تحديث آليات تنفيذ المشاريع وتوضيح الاختصاصات. ويسعى هذا التوجه إلى تقوية القرار التنموي الترابي، لا سيما في الجهات التي تضم تفاوتات داخلية حادة — مثل جهة فاس مكناس — شريطة ربط الموارد المالية بالكفاءات واعتماد معايير منصفة لتوزيع الاستثمارات بين المدن والمراكز الصاعدة والجماعات القروية، مع ضمان الشفافية ونشر نسب التقدم لتقليص الفوارق المجالية.

ويأتي الجانب الاجتماعي في صلب اهتمامات الحكومة من خلال حزمة إجراءات تستهدف التخفيف من الأعباء المعيشية، وفي مقدمتها رفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية، وإصلاح استهداف المستفيدين بناءً على الدخل الفعلي، مع مراجعة تدريجية للضريبة على الدخل. وتكتسي هذه التعهدات أهمية خاصة عند التمييز بين تباطؤ التضخم وانخفاض الأسعار، إذ يظل المعيار الحقيقي لتعافي القدرة الشرائية مرتبطاً بتطور الدخل المتاح للأسر بعد تغطية النفقات الأساسية. كما يتضمن البرنامج إصلاحاً شاملاً لأنظمة التقاعد عبر الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم شهرياً، وتخصيص معاش كامل للأرملة يعادل ما كان يستحقه الزوج المتوفى، مع حفظ حقوق باقي المستفيدين وضمان استدامة الصناديق.

وعلى مستوى الخدمات الأساسية، يهدف القطاع الصحي إلى الانتقال من توسيع التغطية إلى التكفل الفعلي بالمرضى وتقليص فترات الانتظار وسد الخصاص الترابي وتوفير الأدوية. أما في التعليم، فتلتزم الحكومة برفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل بحلول 2031، واستهداف «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق 2030 عبر تطوير مؤسسات الريادة وتوفير مسارات بديلة للمنقطعين. ويمتد البعد الاجتماعي إلى السكن من خلال مواصلة دعم التملك، وتطوير عرض مخصص للكراء، واستهداف تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن قروي بدعم مباشر يصل إلى 40 ألف درهم للأسرة ومواكبة تقنية مجانية.

وفي ملف الشباب والسيادة الاستراتيجية، تعلن الحكومة إطلاق برنامج ابتداءً من سنة 2027 يستهدف تكوين 100 ألف شاب سنوياً وفق حاجيات المقاولات، وتوفير تجربة مهنية أولى لنحو 100 ألف آخرين، مع توسيع التكوين بالتدرج لمساعدة الشباب على الاندماج المستقر. بالتوازي مع ذلك، يربط البرنامج بين الأمن المائي والطاقي والغذائي والرقمي عبر التوسع في تحلية مياه البحر، وبناء السدود، وتطوير الطاقات المتجددة، وتأمين المخزونات الاستراتيجية وحماية البيانات، بما يضمن صمود الاقتصاد أمام التقلبات الدورية.

تتمثل أكبر الرهانات التي تواجه حكومة المنصوري في أرقام المعادلة المالية المعتمدة، حيث يستهدف البرنامج تحقيق متوسط نمو سنوي بنسبة 5 في المائة خلال الفترة (2027–2031)، وضبط التضخم في حدود 2 في المائة، وعجز الميزانية عند 3 في المائة، مع وضع المديونية في مسار تنازلي نحو 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول 2031، والتعويل على رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني. وتبرز هنا الحاجة إلى توضيح كيفية تدبير الأولويات إذا ما جاء النمو دون التوقعات أو ارتفعت كلفة التمويل والطاقة، بما يحمي التعهدات الاجتماعية ويضمن استقرار الخدمات الأساسية.

في الختام، يقدم برنامج حكومة فاطمة الزهراء المنصوري خطة شمولية توازن بين تحسين المعيشة وتقوية الإنتاج وإصلاح الحكامة. غير أن تقييمه الموضوعي يبدأ بإخضاع هذه التعهدات لجدولة زمنية سنوية معلنة تحدد الميزانيات والمسؤوليات ومؤشرات الإنجاز بدقة. فالاختبار الحقيقي الذي ينتظر الحكومة هو تحويل هذا السقف الواسع من الطموحات إلى تغيير ملموس يلمسه المواطن في دخله، وعمله، ومدرسة أبنائه، وعلاجه، ومحيطه اليومي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة